ليلة القدر
وجودك ذنبٌ لا يُقاس به ذنب
فصول من حزني المقدّس / الورقة الخامسة

......................................................................
...............
لم أجد في الفكر الدينيّ الأفق الذي يملأ وجداني، أهل الفقه وجدتهم فجّين ومحدودين،  والروحانيون عرفاء وصوفيين وجدتهم غلاة وحالمين، أمّا عامة المتديّنين فكانوا مصابين بالبلادة والعمى.

استهواني نموذج المثقّفين، لم يكونوا مأطّرين، ويصعب وضع تعريف لهم، لكلّ منهم منهجه    الخاصّ، أكثر ما استهواني في الثقافة أنها خلافا للدين لاتحتكر الحقيقة، لا ترجم الآخرين بالضلال، في الوقت نفسه هي طريق جادّ وملتزم.
 
أحببت د. مصطفى محمود واعتبرته رمزا، ووجدت في د. ثريّا العريّض الصورة التي استقرّت لها نفسي، كرهت نمط نساء مجتمعي: المرأة التي تتعثّر بأذيالها وتسقط لوجهها حياء من الرجل، ولم تطربني قصص أمّي عن النساء الورعات اللاتي إذا طرق الباب أجنبي خشّنت صوتها وتظاهرت بأنها عجوز، وإذا خرجت لبست أردأ ثيابها، لم أحبّ الشيخات المسترجلات، لم يكن ينقصهن إلاّ العباءة والعمامة!
 
فتنتني ثريّا التي تتحدّث مع مُحاورها بتلقائية، بثقة وبلا وجل، ترفع كفّها برقّة، وتضحك بلا تكلّف، امرأة لا تشعر بالعار من أنوثتها، ولا تعاني عقدة أنها سهم للشيطان، في الوقت نفسه لم تكن امرأة فتنة وإغواء، كانت معتدّة بنفسها، فخورة بأنوثتها. 

لكن إيماني بالثقافة لم يستقرّ، ما لبث أن تزلزل، حين وجدت الثقافة كالبحر، تعبّ منه ولا ترتوي، بل تزداد عطشا، لم تمنحني الكتب اطمئنانا ولا راحة.
 
كنت أشعر كالمصلّي إلى غير ناحية القبلة، مثل القانت لغير ربّ، لم أعرف للثقافة ربّا يمنح  روحي الطمأنينة، كنت أقرأ لنوع من البشر قلق ومعذّب، (لا ينتمي للأرض ولا تقبله السماء) بشر ينهل من متع الحياة شابّا، وعندما يهرم يلعن الحياة، ويموت مكتئبا أو مجنونا أو ملحدا أو منتحرا أو صعلوكا.
أيّ طريق هذا الذي لا يكرم روّاده وسالكيه بميتة تليق؟ أيّ طريق طويل وموحش ولا تفضي نهايته لبصيص نور؟

نأيت عن ربّ المتديّنين العنصري الديكتاتوريّ غير المنطقيّ، لكنني لم أعثر في الناحية الأخرى على ربّ بأيّة صفة!

اتّجهت للكتابة بلا تخطيط، كأنه كان محتّما عليّ ذلك، في الكتابة كنت أعوّض عن ضعفي وعجزي إزاء الحياة، أخلق عوالم موازية، أنا من يتحكّم فيها بكلّ شيء، أقيم العدل، وأوقع القصاص، أضفر الجميل والمنطقيّ مع القبيح واللامنطقيّ، كما يفعل إله.
 
بشكل مفاجئ باغتني الصمت، وتوقّفت عن الكتابة، بدأت أفقد إيماني بها، صرت أنظر للأدب بعين الشكّ، شككت في حقيقة الفنون كلّها، وفي جدواها.
من الأوصاف الغريبة التي تطلق على إبليس اسم (كلب الله) اسم غريب، إنه يعني أن إبلس يعترض سبيل القاصدين لله، حتّى يصرفهم عنه، وهو بذلك ودون أن يقصد كأنه يحرس حضرة الله عن الأدعياء وغير المخلصين.

عقيدتي أن الله فخّخ الطريق إليه وزرعه بالألغام، الله البديع، فاطر السموات والأرض، أبدع أنواعا من الشراك بلا كلاليب تجرح، ولا انفجارات تحرق، لكنها أشبه بدوّامات وأعاصير،
تعصف بك وتبتلعك، مثل ثقوب سوداء، لا تعرف إلى أين تأخذك؟
 
بينما أنت سائر إلى الله، باحث عن جماله؛ تبصر طريقا عابقا برائحة الله، تسير فيه موقنا أن هذا الخشوع الذي يتلبّسك علامة، إشارة من الله أنك في الطريق الصحيح، تغازلك إشراقات نوره، فإينما التفتّ وجدته، تتغلغل فيك النشوة حتّى تصرعك، إيمان يسكن جوارحك أنك على هدى وخير، وبالكاد تبصر تلويحات من بعيد، من خارج جنّتك، أيدٍ تجهد لتنبيهك أنك في فخّ، وصدى صوت بالكاد يبلغك أن عليك أن تنجو.

الفنون كلّها ثقوب سوداء، مصائد، ترتكز فكرة المصيدة على أساسين: طُعم يغريك، وخطر مهلك، في الفنون نلمح إشراقات الله بشكل باذخ، وإذا كان (كلّ ما في الكون مرايا تعكس جمال الله)؛ فإن الفنون هي المرايا الباهرة الصفاء، هذا هو الطُعم، أمّا خطرها وخطيئتها التي طردتها من ولاية الله فهي أنها مفصّلة على مقاس النرجسية، فلا تجتذب إلاّ من طغت عليه هذه الصفّة.

وعيت هذه الحقيقة ولذت بالفرار، لكن للفخاخ مذاق المسكرات، الفارّ منها كالخارج من مصحّ تأهيل، يستحيل أن يعود لفطرته الأولى، نظيفا كما كان قبل خوض التجربة، يبقى يساورك الحنين لحالات الذهول والصرع، تحنّ للذة السكر.
يريد الله منّا أن نسلك الدرب الأكثر وحشة، يريدنا أن نتجرّد من طمعنا، وجبننا، أن نخلع عنّا  ذواتنا، ونؤمن به وحده كهدف. إنه الشرط الوحيد .. الوسيلة الوحيدة لتدخل في ولاية الله.
 
 

(5) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 12 ديسمبر, 2008 03:20 م , من قبل ebtihal
من البحرين

أن يخلق كل هذه الدروب الجميلة، بيده أو بيدي مخلوقاته، ثم يطلب منا ألا نعبرها ولا نعرفها، أن نغض أبصارنا عنها ونصم اسماعنا عنها، يزرع فينا الفضول ثم يطلب منا ألا نفتح الباب المغلق، ويزرع فينا الشهوة والتهور والعناد والغباء والشيطنة ثم يطلب منا ألا نقرب التفاحة المحرمة، ما الذي يريد الله ان يثبته بالضبط؟ ما الذي لا يعرفه بالضبط عن طبيعتنا وعن قدراتنا ويتوقع أنه سيعرفه من خلال هذه التجربة العميقة التي تعرضنا لخطر الضلال؟ ما الذي يريده الله بالضبط من كل هذا؟
أتساءل في كل يوم كيف سيستطيع الله، بأي معجزة، ان يجعلني أنسى كل الألم الذي تعرضت له بسبب هذه اللعبة الطويلة المسماة الحياة.

اضيف في 28 فبراير, 2009 12:56 ص , من قبل محمد جواد
من الأردن

مساج الله بالخير يا زهراء ؛ "إبتهال" اللي علّقت قبلي هي وحدة من اللي قلتي عنهم ("لاينتمون للأرض ولا تقبلهم السماء") يتراوى لي أحسن لها تسوي الأمور بسرعةوتقطع تذكرة ترانزيت إلى عالم البرزخ (وبلا حياة وبلا خرابيط") . أما عنّـي أنا - الذي أعد نفسي عدمياً قلقاً أكثر منها- فأفضل أن أبقى غصة في حلوق الطغام (سود الله وجوههم). وبعدين يا "إبتهال"، ترى "فيروز" سبب وجيه للتمسك بالحياة ، ولا شرايج يا زهرا؟

اضيف في 28 فبراير, 2009 12:58 ص , من قبل محمد جواد

مساج الله بالخير يا زهراء ؛ "إبتهال" اللي علّقت قبلي هي وحدة من اللي قلتي عنهم ("لاينتمون للأرض ولا تقبلهم السماء") يتراوى لي أحسن لها تسوي الأمور بسرعةوتقطع تذكرة ترانزيت إلى عالم البرزخ (وبلا حياة وبلا خرابيط") . أما عنّـي أنا - الذي أعد نفسي عدمياً قلقاً أكثر منها- فأفضل أن أعيش غصة في حلوق الطغام. وبعدين يا "إبتهال"، أرى أن فيروز سبب وجيه للتمسك بالحياة ، ولا شرايج يا زهرا؟

اضيف في 01 ابريل, 2009 07:22 ص , من قبل علي جواد
من مصر

الفلسفة الإلاهيه أعظم وأبدع ما يكون فكلما حاولت أن تتقن هذه الفلسفه كلما أدركت ان عقلك أضعف وأقل من أن يدرك هذه الفلسفه .. (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا (109) الكهف
وهذا من أعظم صور الأبداع الإلاهي أن الله موجود في كل مكان وان كل طريق تسلكه يؤدي الى الله في نهاية المطاف .. ام سهولة الطريق و وعورته مرتبط بفلسفه ذاك الشخص . و الأفخاخ و المصائد هي تلك الأعمال السيئة التي نعملها في حياتنا ترتمي تحت اقدمنا لنتعثر بها أكثر فـ أكثر ... أذن كل الطرق هي على صواب أن كانت في نهاية المطاف ستؤدي الى معرفة الله عز وجل ...

لكي تصل الى الحقيقه الخالصه يجب عليك أن تصهر ذاتك في ذات الله هكذا هي بكل سهوله القاعده الإلاهيه ..

أتمنى لك رحلة ممتعه في سفرك هذا ..

اضيف في 01 ابريل, 2009 07:22 ص , من قبل علي جواد
من مصر

الفلسفة الإلاهيه أعظم وأبدع ما يكون فكلما حاولت أن تتقن هذه الفلسفه كلما أدركت ان عقلك أضعف وأقل من أن يدرك هذه الفلسفه .. (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا (109) الكهف
وهذا من أعظم صور الأبداع الإلاهي أن الله موجود في كل مكان وان كل طريق تسلكه يؤدي الى الله في نهاية المطاف .. ام سهولة الطريق و وعورته مرتبط بفلسفه ذاك الشخص . و الأفخاخ و المصائد هي تلك الأعمال السيئة التي نعملها في حياتنا ترتمي تحت اقدمنا لنتعثر بها أكثر فـ أكثر ... أذن كل الطرق هي على صواب أن كانت في نهاية المطاف ستؤدي الى معرفة الله عز وجل ...

لكي تصل الى الحقيقه الخالصه يجب عليك أن تصهر ذاتك في ذات الله هكذا هي بكل سهوله القاعده الإلاهيه ..

أتمنى لك رحلة ممتعه في سفرك هذا ..



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية