استهواني نموذج المثقّفين، لم يكونوا مأطّرين، ويصعب وضع تعريف لهم، لكلّ منهم منهجه الخاصّ، أكثر ما استهواني في الثقافة أنها خلافا للدين لاتحتكر الحقيقة، لا ترجم الآخرين بالضلال، في الوقت نفسه هي طريق جادّ وملتزم.
أحببت د. مصطفى محمود واعتبرته رمزا، ووجدت في د. ثريّا العريّض الصورة التي استقرّت لها نفسي، كرهت نمط نساء مجتمعي: المرأة التي تتعثّر بأذيالها وتسقط لوجهها حياء من الرجل، ولم تطربني قصص أمّي عن النساء الورعات اللاتي إذا طرق الباب أجنبي خشّنت صوتها وتظاهرت بأنها عجوز، وإذا خرجت لبست أردأ ثيابها، لم أحبّ الشيخات المسترجلات، لم يكن ينقصهن إلاّ العباءة والعمامة!
لكن إيماني بالثقافة لم يستقرّ، ما لبث أن تزلزل، حين وجدت الثقافة كالبحر، تعبّ منه ولا ترتوي، بل تزداد عطشا، لم تمنحني الكتب اطمئنانا ولا راحة.
أيّ طريق هذا الذي لا يكرم روّاده وسالكيه بميتة تليق؟ أيّ طريق طويل وموحش ولا تفضي نهايته لبصيص نور؟
نأيت عن ربّ المتديّنين العنصري الديكتاتوريّ غير المنطقيّ، لكنني لم أعثر في الناحية الأخرى على ربّ بأيّة صفة!
اتّجهت للكتابة بلا تخطيط، كأنه كان محتّما عليّ ذلك، في الكتابة كنت أعوّض عن ضعفي وعجزي إزاء الحياة، أخلق عوالم موازية، أنا من يتحكّم فيها بكلّ شيء، أقيم العدل، وأوقع القصاص، أضفر الجميل والمنطقيّ مع القبيح واللامنطقيّ، كما يفعل إله.
من الأوصاف الغريبة التي تطلق على إبليس اسم (كلب الله) اسم غريب، إنه يعني أن إبلس يعترض سبيل القاصدين لله، حتّى يصرفهم عنه، وهو بذلك ودون أن يقصد كأنه يحرس حضرة الله عن الأدعياء وغير المخلصين.
عقيدتي أن الله فخّخ الطريق إليه وزرعه بالألغام، الله البديع، فاطر السموات والأرض، أبدع أنواعا من الشراك بلا كلاليب تجرح، ولا انفجارات تحرق، لكنها أشبه بدوّامات وأعاصير، تعصف بك وتبتلعك، مثل ثقوب سوداء، لا تعرف إلى أين تأخذك؟
الفنون كلّها ثقوب سوداء، مصائد، ترتكز فكرة المصيدة على أساسين: طُعم يغريك، وخطر مهلك، في الفنون نلمح إشراقات الله بشكل باذخ، وإذا كان (كلّ ما في الكون مرايا تعكس جمال الله)؛ فإن الفنون هي المرايا الباهرة الصفاء، هذا هو الطُعم، أمّا خطرها وخطيئتها التي طردتها من ولاية الله فهي أنها مفصّلة على مقاس النرجسية، فلا تجتذب إلاّ من طغت عليه هذه الصفّة.
وعيت هذه الحقيقة ولذت بالفرار، لكن للفخاخ مذاق المسكرات، الفارّ منها كالخارج من مصحّ تأهيل، يستحيل أن يعود لفطرته الأولى، نظيفا كما كان قبل خوض التجربة، يبقى يساورك الحنين لحالات الذهول والصرع، تحنّ للذة السكر.
يريد الله منّا أن نسلك الدرب الأكثر وحشة، يريدنا أن نتجرّد من طمعنا، وجبننا، أن نخلع عنّا ذواتنا، ونؤمن به وحده كهدف. إنه الشرط الوحيد .. الوسيلة الوحيدة لتدخل في ولاية الله.













من البحرين
أن يخلق كل هذه الدروب الجميلة، بيده أو بيدي مخلوقاته، ثم يطلب منا ألا نعبرها ولا نعرفها، أن نغض أبصارنا عنها ونصم اسماعنا عنها، يزرع فينا الفضول ثم يطلب منا ألا نفتح الباب المغلق، ويزرع فينا الشهوة والتهور والعناد والغباء والشيطنة ثم يطلب منا ألا نقرب التفاحة المحرمة، ما الذي يريد الله ان يثبته بالضبط؟ ما الذي لا يعرفه بالضبط عن طبيعتنا وعن قدراتنا ويتوقع أنه سيعرفه من خلال هذه التجربة العميقة التي تعرضنا لخطر الضلال؟ ما الذي يريده الله بالضبط من كل هذا؟
أتساءل في كل يوم كيف سيستطيع الله، بأي معجزة، ان يجعلني أنسى كل الألم الذي تعرضت له بسبب هذه اللعبة الطويلة المسماة الحياة.