بعض المفاجآت لا تفقد دهشتها رغم التكرار.
فكرت بذلك حينما قال لي مديري ( أنا لا أفهمك، أشعر أنك طيبة جدا، لكن أحياناً ...) ولم يكمل، كان مصعوقا من تعليق أطلقته بشكل عابر.
يتكرر معي كثيراً أن يعتقد الناس أني طيبة بشكل مطلق، وفي كل مرة تتجدد دهشتي : ما الذي يجعلهم يعتقدون ذلك؟!
عندما يعجز الناس عن فهم دوافعك، ومع ذلك يطلقون أحكامهم، لماذا عندئذ يحملونك مسؤولية صدمهم؟
بعض الأمور يصعب حسمها، مرة لأنها نسبية، ومرة لأنها ملتبسة أصلا.
ابنة الخمس سنوات التي وضع الطبيب قرص سماعته البارد على صدرها ورأى في عينيها ما جعله يغمض نصف إغماضة ليوهمها بأنه لا ينظر لصدرها المسطح، والذي قال لأمها لاحقا : لا تدعو أحدا يؤذي هذه الطفلة!
الطفلة التي كانت تمرض لأن أختها الأكبر نظرت لها نظرة مرعبة أخافتها، تمرض لأن أخاها الأكبر أختار غرفة نومها نيابة عنها حسب تفسير الأم، والتي كانت تصاب بالحمى وتدخل في غيبوبة لأنها أكلت حبات من النبق جمعتها في ذيل فستانها الأحمر المثني، على مرأى من نسوة حزينات وناقمات.
ما زالت بعد هذه السنين هي ذاتها المرأة التي تمرض لأن ولدا ضخما أبرح طفلها الهزيل المسكين ضربا، تمرض لأن الجيران مزقوا ملاحظة وألقوا بها عند بابها والحقيقة أن جارا ثالثا هو من ألصق تلك الملاحظة ببابهم، هي من تسعل باستمرار بحجة أن الحياة غير عادلة.
امرأة بهذه الهشاشة تدفع دبلوماسيا مرموقا ليصرخ بشكل يائس : أنت ديكتاتورة !!
هي من جعلت فنانا ملهما بتلامذة ومريدين يلقي سلاحه ويمضي يائسا وهو يقول : أنت قلعة !
قلعة .. ودكتاتورة ... وما زالت تسعل باستمرار لأن خطيبها لم يجد غير صديقتها ليتزوجها.
......................................................................
...............
لم أجد في الفكر الدينيّ الأفق الذي يملأ وجداني، أهل الفقه وجدتهم فجّين ومحدودين، والروحانيون عرفاء وصوفيين وجدتهم غلاة وحالمين، أمّا عامة المتديّنين فكانوا مصابين بالبلادة والعمى.
استهواني نموذج المثقّفين، لم يكونوا مأطّرين، ويصعب وضع تعريف لهم، لكلّ منهم منهجه الخاصّ، أكثر ما استهواني في الثقافة أنها خلافا للدين لاتحتكر الحقيقة، لا ترجم الآخرين بالضلال، في الوقت نفسه هي طريق جادّ وملتزم.
أحببت د. مصطفى محمود واعتبرته رمزا، ووجدت في د. ثريّا العريّض الصورة التي استقرّت لها نفسي، كرهت نمط نساء مجتمعي: المرأة التي تتعثّر بأذيالها وتسقط لوجهها حياء من الرجل، ولم تطربني قصص أمّي عن النساء الورعات اللاتي إذا طرق الباب أجنبي خشّنت صوتها وتظاهرت بأنها عجوز، وإذا خرجت لبست أردأ ثيابها، لم أحبّ الشيخات المسترجلات، لم يكن ينقصهن إلاّ العباءة والعمامة!
فتنتني ثريّا التي تتحدّث مع مُحاورها بتلقائية، بثقة وبلا وجل، ترفع كفّها برقّة، وتضحك بلا تكلّف، امرأة لا تشعر بالعار من أنوثتها، ولا تعاني عقدة أنها سهم للشيطان، في الوقت نفسه لم تكن امرأة فتنة وإغواء، كانت معتدّة بنفسها، فخورة بأنوثتها.
لكن إيماني بالثقافة لم يستقرّ، ما لبث أن تزلزل، حين وجدت الثقافة كالبحر، تعبّ منه ولا ترتوي، بل تزداد عطشا، لم تمنحني الكتب اطمئنانا ولا راحة.
كنت أشعر كالمصلّي إلى غير ناحية القبلة، مثل القانت لغير ربّ، لم أعرف للثقافة ربّا يمنح روحي الطمأنينة، كنت أقرأ لنوع من البشر قلق ومعذّب، (لا ينتمي للأرض ولا تقبله السماء) بشر ينهل من متع الحياة شابّا، وعندما يهرم يلعن الحياة، ويموت مكتئبا أو مجنونا أو ملحدا أو منتحرا أو صعلوكا.
أيّ طريق هذا الذي لا يكرم روّاده وسالكيه بميتة تليق؟ أيّ طريق طويل وموحش ولا تفضي نهايته لبصيص نور؟
نأيت عن ربّ المتديّنين العنصري الديكتاتوريّ غير المنطقيّ، لكنني لم أعثر في الناحية الأخرى على ربّ بأيّة صفة!
اتّجهت للكتابة بلا تخطيط، كأنه كان محتّما عليّ ذلك، في الكتابة كنت أعوّض عن ضعفي وعجزي إزاء الحياة، أخلق عوالم موازية، أنا من يتحكّم فيها بكلّ شيء، أقيم العدل، وأوقع القصاص، أضفر الجميل والمنطقيّ مع القبيح واللامنطقيّ، كما يفعل إله.
بشكل مفاجئ باغتني الصمت، وتوقّفت عن الكتابة، بدأت أفقد إيماني بها، صرت أنظر للأدب بعين الشكّ، شككت في حقيقة الفنون كلّها، وفي جدواها.
من الأوصاف الغريبة التي تطلق على إبليس اسم (كلب الله) اسم غريب، إنه يعني أن إبلس يعترض سبيل القاصدين لله، حتّى يصرفهم عنه، وهو بذلك ودون أن يقصد كأنه يحرس حضرة الله عن الأدعياء وغير المخلصين.
عقيدتي أن الله فخّخ الطريق إليه وزرعه بالألغام، الله البديع، فاطر السموات والأرض، أبدع أنواعا من الشراك بلا كلاليب تجرح، ولا انفجارات تحرق، لكنها أشبه بدوّامات وأعاصير، تعصف بك وتبتلعك، مثل ثقوب سوداء، لا تعرف إلى أين تأخذك؟
بينما أنت سائر إلى الله، باحث عن جماله؛ تبصر طريقا عابقا برائحة الله، تسير فيه موقنا أن هذا الخشوع الذي يتلبّسك علامة، إشارة من الله أنك في الطريق الصحيح، تغازلك إشراقات نوره، فإينما التفتّ وجدته، تتغلغل فيك النشوة حتّى تصرعك، إيمان يسكن جوارحك أنك على هدى وخير، وبالكاد تبصر تلويحات من بعيد، من خارج جنّتك، أيدٍ تجهد لتنبيهك أنك في فخّ، وصدى صوت بالكاد يبلغك أن عليك أن تنجو.
الفنون كلّها ثقوب سوداء، مصائد، ترتكز فكرة المصيدة على أساسين: طُعم يغريك، وخطر مهلك، في الفنون نلمح إشراقات الله بشكل باذخ، وإذا كان (كلّ ما في الكون مرايا تعكس جمال الله)؛ فإن الفنون هي المرايا الباهرة الصفاء، هذا هو الطُعم، أمّا خطرها وخطيئتها التي طردتها من ولاية الله فهي أنها مفصّلة على مقاس النرجسية، فلا تجتذب إلاّ من طغت عليه هذه الصفّة.
وعيت هذه الحقيقة ولذت بالفرار، لكن للفخاخ مذاق المسكرات، الفارّ منها كالخارج من مصحّ تأهيل، يستحيل أن يعود لفطرته الأولى، نظيفا كما كان قبل خوض التجربة، يبقى يساورك الحنين لحالات الذهول والصرع، تحنّ للذة السكر.
يريد الله منّا أن نسلك الدرب الأكثر وحشة، يريدنا أن نتجرّد من طمعنا، وجبننا، أن نخلع عنّا ذواتنا، ونؤمن به وحده كهدف. إنه الشرط الوحيد .. الوسيلة الوحيدة لتدخل في ولاية الله.