ليلة القدر
وجودك ذنبٌ لا يُقاس به ذنب
فصول من حزني المقدس - الورقة الحادية عشر

بعض المفاجآت لا تفقد دهشتها رغم التكرار.

فكرت بذلك حينما قال لي مديري ( أنا لا أفهمك، أشعر أنك طيبة جدا، لكن أحياناً ...) ولم يكمل، كان مصعوقا من تعليق أطلقته بشكل عابر.

يتكرر معي كثيراً أن يعتقد الناس أني طيبة بشكل مطلق، وفي كل مرة تتجدد دهشتي : ما الذي يجعلهم يعتقدون ذلك؟!

عندما يعجز الناس عن فهم دوافعك، ومع ذلك يطلقون أحكامهم، لماذا عندئذ يحملونك مسؤولية صدمهم؟

بعض الأمور يصعب حسمها، مرة لأنها نسبية، ومرة لأنها ملتبسة أصلا.

ابنة الخمس سنوات التي وضع الطبيب قرص سماعته البارد على صدرها ورأى في عينيها ما جعله يغمض نصف إغماضة ليوهمها بأنه لا ينظر لصدرها المسطح، والذي قال لأمها لاحقا : لا تدعو أحدا يؤذي هذه الطفلة!

الطفلة التي كانت تمرض لأن أختها الأكبر نظرت لها نظرة مرعبة أخافتها، تمرض لأن أخاها الأكبر أختار غرفة نومها نيابة عنها حسب تفسير الأم، والتي كانت تصاب بالحمى وتدخل في غيبوبة لأنها أكلت حبات من النبق جمعتها في ذيل فستانها الأحمر المثني، على مرأى من نسوة حزينات وناقمات.

ما زالت بعد هذه السنين هي ذاتها المرأة التي تمرض لأن ولدا ضخما أبرح طفلها الهزيل المسكين ضربا، تمرض لأن الجيران مزقوا ملاحظة وألقوا بها عند بابها والحقيقة أن جارا ثالثا هو من ألصق تلك الملاحظة ببابهم، هي من تسعل باستمرار بحجة أن الحياة غير عادلة.

امرأة بهذه الهشاشة تدفع دبلوماسيا مرموقا ليصرخ بشكل يائس : أنت ديكتاتورة !!

هي من جعلت فنانا ملهما بتلامذة ومريدين يلقي سلاحه ويمضي يائسا وهو يقول : أنت قلعة !

قلعة .. ودكتاتورة ... وما زالت تسعل باستمرار لأن خطيبها لم يجد غير صديقتها ليتزوجها.

 

(1) تعليقات
فصول من حزني المقدّس / الورقة الخامسة

......................................................................
...............
لم أجد في الفكر الدينيّ الأفق الذي يملأ وجداني، أهل الفقه وجدتهم فجّين ومحدودين،  والروحانيون عرفاء وصوفيين وجدتهم غلاة وحالمين، أمّا عامة المتديّنين فكانوا مصابين بالبلادة والعمى.

استهواني نموذج المثقّفين، لم يكونوا مأطّرين، ويصعب وضع تعريف لهم، لكلّ منهم منهجه    الخاصّ، أكثر ما استهواني في الثقافة أنها خلافا للدين لاتحتكر الحقيقة، لا ترجم الآخرين بالضلال، في الوقت نفسه هي طريق جادّ وملتزم.
 
أحببت د. مصطفى محمود واعتبرته رمزا، ووجدت في د. ثريّا العريّض الصورة التي استقرّت لها نفسي، كرهت نمط نساء مجتمعي: المرأة التي تتعثّر بأذيالها وتسقط لوجهها حياء من الرجل، ولم تطربني قصص أمّي عن النساء الورعات اللاتي إذا طرق الباب أجنبي خشّنت صوتها وتظاهرت بأنها عجوز، وإذا خرجت لبست أردأ ثيابها، لم أحبّ الشيخات المسترجلات، لم يكن ينقصهن إلاّ العباءة والعمامة!
 
فتنتني ثريّا التي تتحدّث مع مُحاورها بتلقائية، بثقة وبلا وجل، ترفع كفّها برقّة، وتضحك بلا تكلّف، امرأة لا تشعر بالعار من أنوثتها، ولا تعاني عقدة أنها سهم للشيطان، في الوقت نفسه لم تكن امرأة فتنة وإغواء، كانت معتدّة بنفسها، فخورة بأنوثتها. 

لكن إيماني بالثقافة لم يستقرّ، ما لبث أن تزلزل، حين وجدت الثقافة كالبحر، تعبّ منه ولا ترتوي، بل تزداد عطشا، لم تمنحني الكتب اطمئنانا ولا راحة.
 
كنت أشعر كالمصلّي إلى غير ناحية القبلة، مثل القانت لغير ربّ، لم أعرف للثقافة ربّا يمنح  روحي الطمأنينة، كنت أقرأ لنوع من البشر قلق ومعذّب، (لا ينتمي للأرض ولا تقبله السماء) بشر ينهل من متع الحياة شابّا، وعندما يهرم يلعن الحياة، ويموت مكتئبا أو مجنونا أو ملحدا أو منتحرا أو صعلوكا.
أيّ طريق هذا الذي لا يكرم روّاده وسالكيه بميتة تليق؟ أيّ طريق طويل وموحش ولا تفضي نهايته لبصيص نور؟

نأيت عن ربّ المتديّنين العنصري الديكتاتوريّ غير المنطقيّ، لكنني لم أعثر في الناحية الأخرى على ربّ بأيّة صفة!

اتّجهت للكتابة بلا تخطيط، كأنه كان محتّما عليّ ذلك، في الكتابة كنت أعوّض عن ضعفي وعجزي إزاء الحياة، أخلق عوالم موازية، أنا من يتحكّم فيها بكلّ شيء، أقيم العدل، وأوقع القصاص، أضفر الجميل والمنطقيّ مع القبيح واللامنطقيّ، كما يفعل إله.
 
بشكل مفاجئ باغتني الصمت، وتوقّفت عن الكتابة، بدأت أفقد إيماني بها، صرت أنظر للأدب بعين الشكّ، شككت في حقيقة الفنون كلّها، وفي جدواها.
من الأوصاف الغريبة التي تطلق على إبليس اسم (كلب الله) اسم غريب، إنه يعني أن إبلس يعترض سبيل القاصدين لله، حتّى يصرفهم عنه، وهو بذلك ودون أن يقصد كأنه يحرس حضرة الله عن الأدعياء وغير المخلصين.

عقيدتي أن الله فخّخ الطريق إليه وزرعه بالألغام، الله البديع، فاطر السموات والأرض، أبدع أنواعا من الشراك بلا كلاليب تجرح، ولا انفجارات تحرق، لكنها أشبه بدوّامات وأعاصير،
تعصف بك وتبتلعك، مثل ثقوب سوداء، لا تعرف إلى أين تأخذك؟
 
بينما أنت سائر إلى الله، باحث عن جماله؛ تبصر طريقا عابقا برائحة الله، تسير فيه موقنا أن هذا الخشوع الذي يتلبّسك علامة، إشارة من الله أنك في الطريق الصحيح، تغازلك إشراقات نوره، فإينما التفتّ وجدته، تتغلغل فيك النشوة حتّى تصرعك، إيمان يسكن جوارحك أنك على هدى وخير، وبالكاد تبصر تلويحات من بعيد، من خارج جنّتك، أيدٍ تجهد لتنبيهك أنك في فخّ، وصدى صوت بالكاد يبلغك أن عليك أن تنجو.

الفنون كلّها ثقوب سوداء، مصائد، ترتكز فكرة المصيدة على أساسين: طُعم يغريك، وخطر مهلك، في الفنون نلمح إشراقات الله بشكل باذخ، وإذا كان (كلّ ما في الكون مرايا تعكس جمال الله)؛ فإن الفنون هي المرايا الباهرة الصفاء، هذا هو الطُعم، أمّا خطرها وخطيئتها التي طردتها من ولاية الله فهي أنها مفصّلة على مقاس النرجسية، فلا تجتذب إلاّ من طغت عليه هذه الصفّة.

وعيت هذه الحقيقة ولذت بالفرار، لكن للفخاخ مذاق المسكرات، الفارّ منها كالخارج من مصحّ تأهيل، يستحيل أن يعود لفطرته الأولى، نظيفا كما كان قبل خوض التجربة، يبقى يساورك الحنين لحالات الذهول والصرع، تحنّ للذة السكر.
يريد الله منّا أن نسلك الدرب الأكثر وحشة، يريدنا أن نتجرّد من طمعنا، وجبننا، أن نخلع عنّا  ذواتنا، ونؤمن به وحده كهدف. إنه الشرط الوحيد .. الوسيلة الوحيدة لتدخل في ولاية الله.
 
 

(5) تعليقات
بـــوّابـــــــة

عندما لا تكتب هذا لا يعني جفافا مثلما يظنّ البعض، إنه يشبه أن تتحوّل إلى سدّ، تلطمك السيول من الخلف ويهدّ ظهرك ثقلها وأنت مصمت، لا ترشح.. 

ما عاد يسعه التقاطر من رأس قلم .. ولا السريان خلال لوحة مفاتيح.. يحتاج شفرة تشقّ.. كبر الكائن ويحتاج مخاضا حقيقيا ومعقّدا. 

تقول العرّافة للمختار: أن تكون المختار يشبه أن تكون واقعا في الحبّ، لا تحتاج أحدا ليخبرك. 

لكن العرّافة لم تخبرنا: كيف تشعر عندما تكون بوّابة للمرور ؟ ..
 
 

لسنا كاملتين ولا ذكّيتين، لا أنت ولا أنا، بل على العكس، أنت ساذجة بشكل مثير للشفقة يا أمّي، ينقصك الكثير، وبينما يراك الناس امرأة استثنائية أراك كائنا مسكينا بذل جهدا جبارا ووصل أقصى كماله المتاح، لكن كمالك مثير للشفقة يا أمّي.

 

لقد أحسنّا صنعا ، نجحتِ في إنتاج نسخة محسّنة منك، اغفري لي ادّعائي بأنني أفوقك ذكاء، كمّا أنني أقدر على التحكّم منك، أنت مسلوبة تماما ماما، لا يمكنك السيطرة على غضبك حتّى، المثير للشفقة أنك عندما تغضبين تبدين كائنا بائسا يؤذي نفسه أكثر مما يخيف، ولا يؤثر مطلقا.

 

 الفرق بيننا ليس كبيرا، أنا أيضا أولادي يتهمونني بالضعف، وبأنني مسالمة إلى حدّ لا يُحتمل، يقولون أيضا بأنني لست ذكية جدّا، لكنني أبليت جيّدا أنا أيضا وصنعت نسختي المحسّنة، لستُ أفهم هل أحملك داخلي؟ وهل يحملنا نحن الاثنتين داخله؟ كم جيلا يحمل؟ .. لقد أنجبته يا أمّي. ظهر أخيرا .. السرّ الذي توارثناه، لذلك لم نكن ذكيّتين، أنا وأنت لم نكن ذكيّتين، كنا قناة لمروره فحسب، إنه ذكيّ يا أمّي.. حتّى أنه يشعر بنا .. بي وبك وبكلّ الأموات الذين عبر بهم.

 

 صادم إدراك الإنسان أنه مجرّد قناة، حامل للأمانة، لكن ذلك لا يوازي الألم الذي يشعر به، إنه في ألم دائم، ينعته إخوته بثقيل الظل، ويسمّونه العجوز، إنهم لا يدركون، لكنك حتّما تدركين مثلي أنهم ليسوا مخطئين وإن أساؤوا التعبير، ألم أقل لك أنه يحمل داخله حيواتنا؟

 

عندما كان ذائبا في خلاياي؛ كانت لمعة بهائه تلفّني وتشدّ إليّ الأنظار والقلوب، وفي اللحظة التي تزلزلت خلاياي وتجمّعت عناصره؛ منذ اللحظة التي قرّر الإله أن يستوي السرّ بشرا، صرت أنا عنقودا قًطف عنبه، حلية انتزعت فصوصها، و مذ تجلّى لعينيّ بهاؤه ما كفّت عن البكاء إلا لتغرورق.

 

عمّدتُه بالأمنيات الضائعة، الأحلام التي فسدت قبل أن تفقّس، تلوت عليه وصاياي، مطرق وسنيّ عمره الثلاث تتقوّس تحت وطأة الوعي، وكلّما ألقيت في قراره اتّسع وازدراد نهما.

 

لم يكن بحاجة لشيء غير المفتاح لينطلق، كان جاهزا، ومعدّا بكلّ شيء.

ما أن منحه المعلّم ثمانية وعشرين حرفا حتّى شرع يكتب، يمتاح من بئر غيبية، يرسم مشهدا للقيامة ويرصّ حروفا على حواشي الورقة.

 

تحصّن بصنوف اللقاحات، قبل أن يحصل على سجلّ صحيّ، أريدَ له أن يختزل التجارب في ذاكرته، أن يؤهّل باكرا، كنتُ البرج الذي يتلقّى الصواعق نيابة عنه، أحترق وينتفض في أحشائي.

 

شاركني الإغماءة الخفيفة أثر الضربات التي تتالت على رأسي، كلانا لم يشعر بالألم ، بل بخوف عارم وجفاف في الحلق، لا ألم ، فقط لزوجة السائل الأحمر تغرق ياقتي وتسيل على الظهر، والغرز الأربع ولفافة الشاش والأنّة المكتومة، وإنكار ما حدث!

 

بأوردتنا حقن ذات المصل السماويّ، يدبّ الخدر بي، فتستكين جوارحه الصغيرة، تتلقّى الوحي الأول، ترتعش شفتاي بالاسم ، يجفّ الأكسجين من غرفتي، وتسيل دمعة.

 

مقسوم لك أن تعيش المعجزة الكونية؛ الفتور إذا يدكّ الهيكل خشوعا أو انتشاء، والروح إذ تلوب وتكابد العروج، وإذ أنت شيء لم يملك اسما بعد.

 

هذا النزف كيف أفصده منك؟ هذا المارج عليه أن يجد ثقبا ويسيل قبل أن يفيض ويُغرق ويسدّ عليك الثغور.

أعيذك بالأسماء من لعنة الشعر موئلا .. كن نبيّا، وتجافَ عن محرقة الشعر.

 

(0) تعليقات
الكتابة خيارا .. وأنت مختارا ..

لماذا الكتابة؟
لأني قِبلة الأسئلة، مغناطيس يجذب دبابيس كلّ أدوات الاستفهام، ثقب أسود يبتلع الأسرار و لا يمتلئ.

لأني متخمة بالأسرار والأحاجي، لأني نهر لابد أن يفيض، كانت يدي قسراً تفيض بالحروف ..

لأنك الوحيد بين ذوي العباءات من يصغي، من لا يستنكف أن يستمع لامرأة، من لا يتوجس أنها طُعم إبليس.

لأني أثق بأنك لا تطمع، ولا تساوم، و لا تغرّر... لأنك وحدك بينهم إنسان وشيخ في آن.
 

كان الله أبا صارماً معي؛ حين ألقى بي في هذا العالم المتناقض، وهو يعلم أنني أرهف من أن أحتمل كلّ هذا التناقض.

هل يُفترض بي يا ربّ أن أتسلّى وأنا ألهث في دروب المتاهة، السدود تتقاذفني وكلّ مجهول يسلمني لمجهول؟

ليتني أعرف كيف تشعر يا ربّ وأنت تتصفّح ذهولي أمام مفاجآتك، حين يتفتّح برعم أصيصي الذي أرعاه عن شوك وعلقم؛ وبستان جاري الذي يسقيه المطر يغصّ بيانعات الثمر؟

عجزت يا إلهي واستسلمت، آمنت بعبقريتك فأخبرني أنت الجواب:

لماذا المتسوّل الذي آويته وآثرته بعشائي، يسرق محفظتي؛ ويتسلّل ليلا تاركا على منضدتي رسالة تشتمني؟

لماذا ذات المتسوّل يقدّم مالي واحترامه لزوج أمّه الذي يركله ليصحو ويصفعه لينام؟

أخبرني يا ربّ ما سرّ الإنسان؟ ومن أي عنصر عفن هو مجبول؟

ارحم حيرتي وعلّمني: لماذا من قالوا نفسي نفسي نجو من الطوفان؛ ومن أذهله عن إنقاذ نفسه إنقاذ الغرقى ابتلعته الأمواج؟

ولماذا المجد للناجين؛ اللذين عادوا يلقون فتات أطواق النجاة؛ والبؤساء يسبّحون بحمدهم ويسجدون؟

لماذا يا رب وهبتني لحافا قصيرا؛ إن غطّيت أقدام طفلي قصف البرد صدره؛ وإن دفّأتُ صدره تثّلجت قدماه؟ 

ليتك حين وهبتني طفلا ولحافا قصيرا؛ كنت أخبرتني أين يجدر بي أن أغطّي وأين أترك؟ لماذا تتركني للحيرة؟

وحين كتبت عليّ يا ربّ التعاسة؛ لماذا خلقتني جميلة وذكية وطيبة؟ لماذا حرمتني من جواب أعلّق عليه فشلي وتعاستي؟  

الرجال الطيّبون كثيرون؛ لماذا لم تمنحني واحدا؟ الآباء الجيّدون كثيرون؛ لم تهبني واحدا، الأمّهات الحاذقات كثيرات، ليس عندي واحدة.

برعم يكتنز الجمال والحكمة كنتُ، أراد أن يتفتّح للحياة فلطمه الصقيع.

أحببتك ياسيّدي وأحببت دينك، كنت مطيعة لك، راضية، مؤمنة ..

لكنني الآن أشعر بالخذلان. انقطع بي الطريق، نفد مني الماء والوقود، لا أنتمي للأرض، ولا أهتدي للسماء.

لو كان التديّن وظيفة؛ أليس من تعويضات، ضمانات، راتب تقاعد؟ .. لماذا تتركني للشكّ؟

يخطر لي الآن أن أتملّقك يا ربّ، وأسرد قائمة طويلة بنعمك وأفضالك عليّ، أنا لا أنكر فضلك، يكفيني أنني أعاني وأشكّ ولم أكن حجرا لا يعي.

يكفيني وميض الأمل في قلبي أنك موجود وأن الخير والعدل صفاتك..

فقط أخبرني؛ خذني لمصنع أسرارك/ طاولة صنع القرارات في سمائك/ لوحك المحفوظ ، وأرني أيّ القوانين تحكم هذه الحياة؟

أرني نهايات الأشياء وغاياتها، صبري قليل، وعمري قصير، ونفسي يضيق عن مجاراة عبقريّتك في صنع الأحاجي ..

أخبرني الجواب .. عجزت عن حلّها يا رب .

 

(7) تعليقات
.. : .. إلها يلقف الإفك

 

       عدتُ تلك الظهيرة بقلب مكسور، ومعدة خاوية، وتعلّمتُ أن أوزّع مصروفي: ريالا في كلّ جيب، حتّى إذا سقط أحدهما لا يجرّ معه الآخر؛ أو امتدّتْ يد إلى جيبي لا تغنم الريالين معا.

 

       و ما زلت إلى اليوم أوزّع نقودي على عدّة مصارف، و أعدّ أكثر من طبق تحسّبا لاحتراق أو فشل أحدها.

 

أقدّم اللوم بدل المواساة: كان خطؤها، زواجها كان استثمارها الوحيد، وها هو يفشل، لتواجه إفلاسها المحتّم.

 

       كنت أراني المنيعة على النكبات، وكان القدر يراني خصما مسلّيا ليلعب به.

 

        بدأ سلبي أشيائي، وأنا أتحصّن بممتلكاتي الأخرى، لا أترك له فرصة كسري وهزيمتي.

كان خصما قويّا وذكيّا، عرف موضع هشاشتي: لم أكن أناضل كما ينبغي لصاحب حقّ، كنت أراوغ وأنسحب، وأراهن على فرصي الأخرى.

 

        اعتنقته مثل دين جديد، وجدتني أُلقي بساحته آمالي، أسلّمه مقاليد أموري، وأدين له بمطلق الولاء. صارت انشغالاتي.. أعمالي.. طموحي.. رغباتي.. رهاناتي.. كلّها ملخّصة فيه.

 

        في أحد المنعطفات اصطدمتُ بالسيّد القدر، كان عاقدا ذراعيه، ويرمقني بتلك النظرة التي يُرمى بها المهزومون ومثيروا الشفقة، ضحك وقال: لقد راهنتِ على الحصان الميت.

قالها بذات النبرة الحتمية للنهاية في ألعاب البلاي ستيشن، بما لتلك الكلمة/ التعويذة من قدرة على إصابتك بالشلل.

 

       أردتُ أن أهرع نحوه/ بوابة الطوارئ التي يفترض بها أن تنجيني، لكنه لم يبدُ كسلّم نجاة، بدا بالفعل مثل حصان ميت.

 

     أصبحتُ صالحة لكل النعوت والتسميات/ رسم كاريكاتور في مسابقة أجمل تعليق: المغفّلة والوثن، التعيسة والوحش، العنيدة والطريق الخاسر، .. الجواب الخاطئ .... .

 

     لم أكن لأرعوي.. أو أشفى.. أو أيأس... ، هل يمكن لشعاع نجم ميت أن يأسر أبصارنا لآخر العمر؟

 

     جذع يابس و أداوم على سقيه.. ربّ لا يسمع و أدعوه.. ميت سريريا.. مشروع خاسر.. جثّة ...

 

     أو فليكن ما هو أكثر بؤسا.. لقد امتلكتُ إيماني، ما عاد صدري جرف تنتحر على حافّته الآمال، سأعيده.. سأحاصر مواته بصخب الحياة.. لن يملك أمام إيماني إلا أن يكون.. : ..

 

(0) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية