ليلة القدر
وجودك ذنبٌ لا يُقاس به ذنب
ســـيـر وســـلـوك

    لامعة وصلبة .. لامعة وصلبة .. تنتقل عيناي بسرعة، في أثرهما تتحرّك يدي، امتلأ الكيس بالليمون، بينما امرأتان مصريّتان تثرثران وتتخيّران حبّات البرتقال برويّة وحرص، بالكاد ملأتا ربع الكيس، هل تغتاباني في سرّهما الآن؟ : "السعوديات ستّات بيوت فاشلات، ولا يحسنّ إدارة المصروف"

 

مرّ صبي فلسطيني وأمّه الصغيرة، الصبي بطول أمّه، بُنية الأمّ كبنية الصبي، يقول وجه الصبي بأنه لم يتناول إفطاره، يتبعهما الأب بملابس مكرمشة بشكل مريع، واضح أنه نام بها وصحا للتو، قالت المرأة: " لا شيء اليوم "، لم أفهم معنى " لا شيء" بينما السوبرماركت عامر بكلّ شيء، وعربات المتسوّقين ممتلئة، لا يبدون كعائلة تتسوّق، بل كثلاثة عصافير جائعة تفتّش عن رزقها.

 

أتريّث في المشي ليبدو سيري سليما، تعثّرتُ بالأمس والتوى كاحلي، أحرجني الجزّار حين رفض أخذ ثمن للعظام، قلت له : لديّ المال، هل تعطونها للجميع بلا مقابل؟ قال: نقدّمها مجانا، هل تريدين المزيد؟

أحتاج العظام لتحضير الحساء، هل يظنّ أنني لا أستطيع شراء اللحم؟

ثلاثة رجال كانوا بالداخل، ورجلان بالخارج، لم أنتبه للدرج، انزلقت قدمي ووقع الكيس من يدي، ارتطامه بالأرض كوقع الكعب العالي، اصطكت العظام مثل علب فارغة، كان صوتها مريعا، .. " تبّا ! ما هذه العظام الضخمة ؟! " .

 

Nooooo no more sorrow  يدي تتخبّط داخل الحقيبة، ونغمة الجوّال تعلو، " من وضع هذه النغمة الفظيعة ؟" أخرجته أخيرا، يومض على الشاشة ( بابا الغالي ).

 

-       صباح الخير أم محمّد .. اتّصلتُ بالبيت ولم أجدك .. كيف حال الأولاد ؟ هل ذهبوا للمدرسة ؟ أريد أن أتحدّث معك قليلا .. أودّ أن أسألك بما أني لا أستطيع الحديث في هذا الموضوع مع أحد غيرك .. تعلمين أن السير والسلوك أمر يجب كتمانه، فكيف لي أن أعرف .. أريد أن أسأل لماذا تمرّ بالسالك لحظات روحية عالية ثم تنقطع عنه؟ ما هي الذنوب التي تقطع الطريق على السالك؟ .. تعلمين .. ليس بالإمكان أن لا يذنب الإنسان أبدا .. المشكلة أن غلطة واحدة تعيدك للوراء مراحل ..

-       قرأتُ مرّة أن هذه الحالات الروحية القصيرة والعابرة ليس لنا فضل فيها، هذه عيّنة مجّانية يقدّمها لنا الله حتّى نتعرّف على الحالة، ثمّ علينا إن أردنا استمرارها أن نعمل مقابل ذلك .

-       غير صحيح .. لا لا .. هذا ظلم .. من قال أننا نحصل عليها مجانا ؟

-       عموما لا علم لي بهذه الأمور، أنت مهتمّ بهذا الموضوع أكثر مني. لماذا لا تسأل المختّصين بهذه الشأن ؟

-       لا .. لا ينبغي للسالك أن يعلم به أحد .

-       ....

-        عموما .. شكرا لك .. وآسف لإزعاجك.

 

أقف في الصفّ أمام الكاشيير، وأدعو ألاّ يقف فضوليّ خلفي.

" اهدئي .. ما بك ! .. هل يرضيكِ أن تكوني عقبة في طريق السالكين إلى الله؟ "

أذكر الله وأصلّي على النبي لتحلّ السكينة بقلبي، أدفع للكاشيير ببطاقة الصرّاف، " تبا لك ما أوقحك ! هلاّ نظرتَ في عيني لأجد لك عذرا .. لو تبحلق في يدي فأتغاضى عنك .. لكن لا تنظر هنا ! "
 

السير والسلوك إذن ؟ كيف ؟ وجريمتك ماثلة كجثّة مصلوبة في ساحة عامّة؟

 

يخرجون واحد تلو الآخر، كلّ يحمل أشيائه وينطلق بسيّارته، وطليقتك تقف بانتظار سيّارة أجرة.

 

(3) تعليقات
هــن أطـهــر

 

أمدّ نحوه بصري الطريد بلا مأوى، يتوعّدني الغضبُ الأحمر في عينيه، ويوصد دوني سبلَ النجاة.

 

مُلبّدا بالإثم يأتيني، يحيق بي كلعنة، يخور، يتقيّأ سمّه بفمي، ويحقنني بالصديد.

 

أمدّ نحوه بصري الغريق، فيوصِدُ في وجهي الرجاء.

 

مثابرٌ على عيادتي، لا هو يشفَى، ولا ينقل إليّ عدواه. لا يُنجّسني ولا يطهر. لا أفرّ ولا يطْلقني. مقيّدان بطوقٍ مفتول من ثلج وجمر، ولا يتآكل القيد.

 

أمدّ نحوه بصري، استجدي عطفَهُ ورضاه؛ فيجلدني الوعيدُ الأحمر في عينيه.

 

أيّها الأعلى الذي أعرفه وينكرني، وأتعذّب فلا يغيثني، أؤمن به ولا يرفد إيماني، الأنا المهزوم في داخلي يصبأ، يُشرع احتياجه لما يملأ السغب القديم - أنّى وافته الإغاثة- تنكّرت للسؤال عن معقولية الشراكة، عن فساد الوضع أو صلاحه، تبرّأت من قيمتي، وأسقطت معنى هذا الجاثم فوقي ، تناسيتُ أنه جلاّدي، لقد روّضني الألمُ، وخلّصني من وطأة الشعور بتعقيد الأشياء، أنا الآن وجود يتصالح مع واقعه، ويستسلم للإعصار.

 

آن لي أن أعي المعنى، وأهتدي للطريق: واجبي أن أوسع إنسانيّتي ركلا، وأكوّمها في القاع، أمتشق الطين، فينهض مشرعا مجسّاته، يوصلها بمجسّات الآخر، هكذا يتولّد التيّار، ويتصاعد حتّى يصهل الطين، يتلظّى ثم يرشح رطوبته.

 

أمدّ بصري الطريد بلا مأوى، تمهرني عيناه بتأشيرة الدخول إلى نعيم رضاه.

نجحتُ في امتحان الطين.

 

(8) تعليقات
ارجعي

وإذ يشطرك الألم يا مريم ؛ فتطلقينها: ( يا ليتني متّ قبل هذا .. )؛ ينشقّ جدار رحمكِ/ جدار الكعبة؛ وتتحرّر روح عليّ/ روح المسيح.

إذا بلغتْ المعاناة حدّ الاضطرار؛ فلا بدّ أن يستجيب الله.

كنتِ في أقصى غياهب الألم إذ ناديتِ: لا أشتهي سوى حفرة أستريح فيها. كان للوجع في صوتك القدرة على شقّ الحجب، وانبثاق هذا الكائن/ الخلاص.

( أنت متعبة ) أوّل كلمة قالها، في الأيّام التالية راح يعمل بكدّ، مسخّرا نفسه من أجل مهمّة واحدة: دفعك للراحة بكلّ الوسائل، بما فيها الإجبار.

يمنعك من حمل الأشياء الثقيلة، من الهموم وحتّى أكياس التسوّق، وإذا عاندتِه اضطر لحملها عنك، تنازعينه أثقالك الشخصية؛ فيهدّد بتخليصك من ذراعيك ورأسك إن لزم الأمر.

كان يملك قدرة الصيف على إقناعك بالتجرّد من ثيابك. بالقليل من الكلام، والعمل الجادّ؛ دأَب على حلّ أوزارك، كانت البداية تخريبية ومؤلمة، كما تتلف حبّات من الذرة النيّئة؛ تخلخل الصفوف في الأكواز الذهبية، بعدها تتدافع البقيّة، كأحجار دومينو، أو قلاع تسقط.

محبّتكِ غير العادلة لإخوتك، حنانكِ المفرط، اكتراثكِ الزائد لأمر الناس؛ كلّها نفضتِها عنك كطحالب ميّتة علقتْ بك.

كان باديا للجميع أنك ما عدتِ تنتمين لأحد، ما عدتِ قابلة للألم. كلّما صافح هذا القادم بقعة منك طفتْ وتحرّرتْ.

لو كنتِ تعلمين أن هذا العالم الرديء يضمر جمالا يشرخ القلب كجمال فتاك؛ لما خطرت لك فكرة بغباء حفرة وتراب !

الآن وقد خلعتِ الخفق من قلبك المتعب، خلعتِ يديك المكدودتين عطاء، وأشحتِ عن كلّ الذين أحببتِهم وآذوك؛ الآن يلتفتون بكلّهم نحوك، يلتفّون بكِ، ينازعونكِ هواء غرفتك، ويشاطرونك خلوتك بفتاك. كما في حلم غريب، يراقبونكما تتطارحان الخلاص، بلا خجل، بلا خزيّ، بلا غضب ولا رضا، بوجوه كوجوه الموتى.

كنتِ الجميلة النائمة، وكان أميرك؛ قُبلة ... وانتهى الشقاء.

 

 

(2) تعليقات
هل أتاك نبأ الخزّاف?

(إني رأيت)


وأراني أخبّئها في المسام، أُدثّرها، تعبرها الفصول، تتكوّر، تنهُد، يسيل عليها الضوء، تتألق فتنة.

وأراهم يلتقفون هباتي، يقشرون، يقضمون، يمضغون، يمزمزون عصارتها، يلفظون النوى.

عبق قشرها في أظافرهم، حلاوتها تمتزج برضابهم، شيفرا أسرارها تغفو محصّنة في النوى.

تعبر أفرانهم سابحة في كثافة سائلة، أجسامهم المفطورة على تحرير الخلاصات، تُشرق الحكمة الخبأتها وتشعّ، تغذّي الشعلة التنوس/ تهسّ في فوانيسهم.

تغادرني الرؤيا، وتسلم جسدي نديّا باردا على تخوم السرير، يرتطم الوعي برأسي، أشيّع طيفي المتوّج بالضفّة الأخرى، تتدلّى ستائر عرش ضبابي فوق سريري. 
.
.

اهتزت وربت

في صدري رمّانة لم تجتنَ، تفتّق قشرها صبرا، وأشرقت فصوص حكمتها، أحاذر أن يطلّ ياقوتها من بين أزراري، أحكم إقفالها، أخاف أن تنفثئ، ويسيل دمها على بياض قميصي.

.

.

بصرت بما لم يبصروا به

- ماذا تصنع إن كان السرّ أكبر من بوحك؟

- تبوء باللعنة: حمل ولا مخاض.

مازلتُ وفيّة للعبتنا القديمة، أفمازلت أنت ؟
كل ليلة أحيك النجوم بزنّاري، ملاءة ممتدّة باتّساع السماء.
ملاءتي زخرفتُها بالنمنمات فاستحالت سجّادة فارسية.
سجّادتي أمست خارطة، وخارطتي اكتملت، والسرّ أكبر من بوحي، وفوق احتمالي، تلازمني اللعنة ، حبلى ولا ألد.

.
.

 

فأبين أن يحملنها وأشفقن(


هل أتاك نبأ الخزّاف؛ إذ عجز الصلصال عن احتمال ساديّته؛ فمثّل بجسده ؟

أنا الخزّاف والصلصال، فتهيّأوا لقدوم هباتي.

كيف بكم؛ إذا انتفض الضريح؛ وقامت من ناووسها البتول ؟
ما حالكم إذ تتعلّقون بأستارها؛ فتسفر عن وجهها المجدليّة ؟
كيف بكم حين ترمون أحجاركم نحوها، فترتدّ صوب جباهكم؛ تنشبون مخالبكم في لحمها، فتنزّ جلودكم ؟

هل ستوارونها في الثرى/  تتوسّدون الفناء ؟
أم تصبرون على جثّتها تجوب أزقّتكم، مفقوءة العين، مجذوذة الساق، تعطّر أجواءكم بأريج الجثث ؟

أنا الخزّاف وصلصالي جسدي.

  مزّقوني؛هشّموا جمجمتي ، اشربوا من دمي.
ستمضون وعطري عالق بأظافركم، تتجشّأون رائحتي، تشرق حكمتي بقلب فوانيسكم.
تمضون، تمزمزون عصير فاكهتي، تلفظون نوى أسراري فأنبت في كلّ درب.

(5) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية